القاضي عبد الجبار الهمذاني

286

المغني في أبواب التوحيد والعدل

للبيعة أو مكره عليها ، فأخطأ في هذا الظن ، وهذا بمنزلة المرأة التي لها إخوة وفيهم كبير مقدم في الرأي ، فإذا زوجها الصغير لم يمتنع أن يستوحش الكبير ، ولا يظن به مع ذلك أنه كاره . وقد كان عليه السلام مصيبا في تأخره واشتغاله بما هو أهم ؛ لأن المعتبر في ذلك بالرضا وترك النكير ، وإنما يجب الحضور عند التكبير « 1 » والتهمة ، وكان للقوم عذر في المبادرة إلى البيعة ؛ لأنهم خافوا من التأخر فتنة عظيمة . وقد صح أن مع مبادرتهم إلى البيعة « 2 » وانعقاد الأمر له جرى من أهل الردة ما جرى ، فكيف لو تأخر ذلك فتم للأنصار ما عزموا عليه ، وعند ذلك تجب المبادرة إلى البيعة ، وألا تؤخر لمشاورة « 3 » ذوى الرأي / والفضل ، وإنما يجب التأخير مع سلامة الأحوال ، وهذا يبين أنهم كانوا على صواب في المبادرة ؛ فإن اتكلوا في أمر الرسول صلى اللّه عليه ، وتجهيزه والفراغ من أموره على أمير المؤمنين وغيره من أهل البيت ، وهذا يسقط تشنيع من شنع عليهم بأنهم تركوه عليه السلام والاشتغال به وهو ميت ، وتوفروا على البيعة وما يتصل بها « 4 » ؛ لأن ما ذكرناه قد دل على أنه الواجب إذا كانت الحال ما ذكرناه . ولو كان عليه السلام بايع مكرها على ما يقوله من لا يعرف الأخبار ، لوجب أن يكون تأخره عن البيعة طائعا ؛ لأن الحق له ؛ ولأن أبا بكر مبطل في المقام الّذي ادعاه وادعى « 5 » له ، ولو كان ذلك كذلك ، لوجب ألا يقع منه بعد ذلك معاضدة ومعاونة ؛ لأنه إن لم يحارب ويبذل الجهد في إزالته عن هذا الأمر ، فلا أقل من أن يظهر النكير بأقوى ما يمكنه .

--> ( 1 ) كذا في الأصل ، ولعلها : النكير . ( 2 ) الألف واللام مكشوطتان بفعل فاعل ( 3 ) كانت ( المشاورة ) فكشطت الألف بفعل فاعل ( 4 ) ساقطة من الأصل ( 5 ) في الأصل ( وادعا )